القاضي عبد الجبار الهمذاني
52
المنية والأمل
يعرفوه ، والمرء عدو ما جهله . وحكي أنه اجتمع عند الرشيد رجلان من المتكلمين ، فتكلما في مسألة ، فقال لبعض الفقهاء : « احكم بينهما » فقال : « هذا أمر لا يعنيني ، وأنا لا أحكم في أمر لا يعنيني ، فأمر له بصلة وقال هذا جزاء من لا يشتغل بما لا يعنيه » . وحكى أنه اجتمع عنده رجلان يتكلمان في مسألة من الكلام ، فبعث بهما إلى الكسائي لينظر ما بينهما ، فلما دخلا عليه وتكلما ، وبلغا إلى موضع لا يعرفه قال : « هما زنديقان يقتلان » . ومن هذه الطبقة : أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم ، وكان من أفصح الناس ، وأفقههم ، وأورعهم ، حكي أنه كان يخطّئ عليّا عليه السلام في كثير من أفعاله ، ويصوّب معاوية في بعض أفعاله . قال القاضي : « ويجرى منه حيف عظيم على أمير المؤمنين » ، وكان بعض أصحابه يعتذر له فيقول : بلى بمناظرة هشام بن الحكم « 1 » فنقلوا هذا ، ونقلوا هذا واللّه أعلم . وله تفسير عجيب ، وكان جليل القدر ، يكاتبه السلطان ، قيل كان يصلي ومعه في مسجده ، بالبصرة ثمانون شيخا ، وهو أحد من له الرئاسة ، ولأبى الهذيل معه مناظرات ، وكان أبو علي « 2 » لا يذكر أحدا في تفسيره الا « الأصم » ، وإذا ذكره قال : « لو أخذ في فقهه ولغته ، لكان خيرا له ، وأخذ عنه ابن علية . ومن هذه الطبقة أبو شمر الحنفي ، وكان يخالف في شيء من الارجاء ، وكان يناظر وهو لا يتحرك منه شيء ، ويرى كثرة التحركات عيبا . فكلمه النظام ، في مجلس الحسن بن أيوب الهاشمي أمير البصرة ، فضغطه الكلام ، فحل حبوته وتحرك في مجلسه ، وما زال يزحف حتى قبض على يد النظام ، فتبين الأمير ومن حضر انقطاعه ، فترك الأمير القول بالارجاء . قال الجاحظ : « وكان أبو شهر يكلم متّبعيه ، فلما كلمه النظام أخرجه عن طبعه » . ومن هذه الطبقة جماعة - غيرهم - أي هؤلاء الذين ذكرناهم ، كإسماعيل
--> ( 1 ) مات بعد نكبة البرامكة مستترا ، وقيل أنه أدرك زمان المأمون ، وله أنباء في الرفض والتجسيم ، ربما يكون بعضها مولدا ، لصلته بالبرامكة ، وقد زعم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية ( الفرق : ص 40 - 41 ) . ( 2 ) هو أبو علي : محمد بن عبد الوهاب الجبائي .